نخبة من الأكاديميين
196
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
التكفير المتبادل عند توسع كل طرف على حساب الآخر ( الصفويين - العثمانيين ، وتيمور لنك - المماليك ) ، جميعها حالات تحتاج لمناقشة في ظل سياقاتها التاريخية لبيان كيف أن مفهوم " وحدة الأمة " لا ينفي اختلافات المصالح القومية والوطنية أو القومي أو المذهبي ، وأن كان يفرض ضوابط لحمايتها وإدارتها على ضوء مفهوم المصلحة الشرعية للأمة . القضية الثانية التي تثيرها دراسة هذه التفاعلات متصلة بحالة القوة الإسلامية الشاملة في النظام الدولي . فإذا كان العصر المملوكي يمثل كما يرى البعض « 1 » - العصر الثاني من التوسع الإسلامي ( والذي اكتمل في القرن العاشر ه - ، السادس عشر م ، كما سنرى لاحقًا ) ، إلا أن تقويم حال القوة الإسلامية ومآلها خلال هذا العصر ( أو ما يسمى وفق التقسيم الأوروبي للتاريخ بالعصور الوسطى ) شهد جدالًا بين مقولتين : الأولى تقول إن العالم الإسلامي خلال ما يُسمى " العصور الوسطى " والتي يقع في معظمها العصر المملوكي قد مر بمرحلة قوة عسكرية وليس قوة فكرية أو حضارية مثل التي شهدها من قبل ؛ وذلك بسبب الآثار المدمرة للهجمة المغولية والتي أدت إلى الضعف النسبي للحضارة الإسلامية بالمقارنة بالنمو الذي دخلته الحضارة الأوروبية المسيحية بعد ذلك « 2 » . والمقولة الأخرى « 3 » ترى أن التدهور الذي عرفه الشرق الإسلامي منذ القرن الثالث عشر الميلادي لم يكن عامًا أو شاملًا ولكن في مناطق دون أخرى ، وهو الأمر الذي تبرزه المقارنة بين مراحل التطور السياسي ومراحل التطور الفكري والحضاري لهذه المناطق . وعلى ضوء كل ما سبق تتبين حاجة ماسة ، لقضية توضحها دراسة الأطر السياسية والعسكرية للعلاقات الإسلامية - المسيحية في عصور التاريخ الإسلامي المتعاقبة ؛ ألا وهي أهمية الجمع بين دراسة السياسي - العسكري وبين دراسة " الحضاري " بمعناه الشامل ، وبين دراسة مدارس الفقه ومسار تطورها وصعود بعضها وهبوط البعض الآخر في المراحل المتعاقبة من تطور التاريخ الإسلامي ومن تطور التاريخ الأوروبي ومن تطور " التاريخ العالمي " . إن هذا الجمع الثلاثي الأبعاد لدراسة التاريخ من منظور حضاري سيردّ الاعتبار للأبعاد الاجتماعية والإنسانية . ولقد تكررت الدعوة لردّ الاعتبار لهذا الجانب من قبل أعمدة في دراسة التاريخ الإسلامي سواء من العرب والمسلمين أو الغربيين « 4 » ، وتظهر هذه الدعوة أيضًا من جانب منظري العلاقات الدولية الذين ينتمون إلى المدرسة النظمية أو المدرسة النقدية أو البنائية الجديدة ، وجميعهم يعطون للتاريخ وللأفكار والقيم أهمية في دراسة تطور النظم الدولية تاريخيًا وفي دراسة النظام الدولي الحالي « 5 » . وفي ما يلي تفصيل حول المراحل الأربع التي ستتم خلالها دراسة تطور العلاقات الإسلامية - الأوروبية في العصر المملوكي ، والتي سيتم خلالها استدعاء الأنماط والنماذج المشار إليها آنفاً . المرحلة الأولى - الدور المملوكي وتصفية الوجود الصليبي والتصدي للمغول : إرساء أركان مركزية الدور المملوكي . بعد سقوط بغداد سنة 656 ه - على يد المغول وخلال النصف الثاني من القرن اتسم نظام
--> ( 1 ) - برنارد لويس : " السياسة والحرب في الإسلام " في : شاخت وبوزورث ، تراث الإسلام ، ترجمة محمد زهير ، عالم المعرفة ، أغسطس 1978 . - حسين مؤنس : الشرق الإسلامي في العصر الحديث ، مطبعة حجازي ، القاهرة ، ط 2 ، 1938 ، ص ص 11 - 17 . - محمد عبد الله عنان : مواقف حاسمة في تاريخ الإسلام ، مطبعة دار الكتب المصرية ، القاهرة ، ط 1 ، 1929 . - John Joseph Saunders ( ed . ) , The Muslim World on The Eve of Europe an Expansion . Prentice Hall , N . J . 1966 . p 200 . ( 2 ) ) ( E . Mortimer , Faith and Power : The Politics of Islam , pp 80 - 83 . ( 3 ) ) ( M . G . Hodgson , The Venture of Islam , University of Chicago press , Chicago 1971 , Vol II , pp 371 - 373 . وانظر أيضًا : - ف . بارتولد ، تاريخ الحضارة الإسلامية ، ترجمة حمزة طاهر ، ط 5 ، دار المعارف ، القاهرة 1983 ، الفصل السادس . ( 4 ) - أنظر على سبيل المثال : - د . عماد الدين خليل : مدخل إلى إسلامية المعرفة ، مع مخطط مقترح لإسلامية علم التاريخ ، سلسلة إسلامية المعرفة ( 9 ) ، المعهد العالمي للفكر الإسلامي ، ط 3 ، 1992 . - M . G . Hodgson , The Venture of Islam , university of Chicago Press , 1971 , Volume . ( 5 ) - أنظر هذه الجهود التنظيرية في : - د . نادية محمود مصطفى : أفكار حول إسهام التراث الخلدوني في الفكر الدولي والنظرية الدولية دراسة استكشافية في الإشكاليات المنهاجية ، بحث مقدم إلى المؤتمر الدولي الذي نظمته مكتبة الإسكندرية ، ديسمبر 2006 ، لمناسبة مرور 600 عام على وفاة ابن خلدون .